الشيخ محمد رشيد رضا
371
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
( فصل في التوسل والوسيلة عند عامة المتأخرين ) بينا معنى الوسيلة في الآية وما قاله رواة التفسير المأثور عن السلف فيها . ولم يؤثر عن صحابي ولا تبتغي ولا أحد من علماء السلف أو عامتهم ان الوسيلة إلى اللّه تعالى تبتغي بغير ما شرعه اللّه للناس من الايمان والعمل ومنه الدعاء . الا كلمة رويت عن الامام مالك لم تصح عنه بل صح عنه ما ينافيها . وقد حدث في القرون الوسطى التوسل بأشخاص الأنبياء والصالحين المتقين ، أي تسميتهم وسائل إلى اللّه تعالى ، والاقسام على اللّه بهم ، وطلب قضاء الحاجات ودفع الضر وجلب النفع منهم عند قبورهم أو في حال البعد عنها . وشاع هذا وكثر حتى صار كثير من الناس يدعون أصحاب القبور في حاجاتهم مع اللّه تعالى ، أو يدعونهم من دون اللّه تعالى . و « الدعاء هو العبادة » كما قال النبي ( ص ) رواه أحمد والبخاري في الأدب المفرد وأصحاب السنن الأربعة وغيرهم عن النعمان بن بشير . واللّه تعالى يقول ( فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً ) ويقول ( إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبادٌ أَمْثالُكُمْ ) ويقول ( وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ ما يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ . إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجابُوا ، لَكُمْ ، وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ . وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ ) لكن بعض الصنفين زعم انهم يسمعون ، ويستجيبون للداعي . والعوام يأخذون بمثل هذا القول المخالف لقول اللّه تعالى لعموم الجهل ، ومن المشتغلين بالعلم من يتأول لهم بأن هذا من التوسل بهم . وقد حقق شيخ الاسلام أحمد بن تيمية الموضوع بجميع فروعه . فكان ما كتبه في ذلك مصنفا حافلا اطلق عليه اسم ( قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة ) وقد طبعناه مرتين . ومما جاء فيه قوله بعد بيان معنى الوسيلة في القرآن والحديث بنحو ما تقدم : « وأما التوسل بالنبي صلّى اللّه عليه وسلّم والتوجه به في كلام الصحابة فيريدون به التوسل بدعائه وشفاعته . والتوسل به في عرف كثير من المتأخرين يراد به الاقسام به والسؤال به كما يقسمون بغيره من الأنبياء والصالحين ومن يعتقدون فيه الصلاح « وحينئذ فلفظ التوسل به يراد به معنيان صحيحان باتفاق المسلمين ، ويراد به معنى ثالث لم ترد به سنة * فاما المعنيان الأولان الصحيحان باتفاق العلماء فأحدهما